تدرس شركة TSMC التايوانية رفع أسعار تقنية التغليف المتقدم CoWoS (Chip on Wafer on Substrate) بنسبة قد تصل إلى 20%، في ظل الضغوط المتزايدة على الطاقة الإنتاجية نتيجة الطلب المتسارع على مسرّعات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ارتفاع فترات انتظار معدات تصنيع أشباه الموصلات. ووفقاً لتقرير نشرته TrendForce في 27 أكتوبر 2026، نقلاً عن مصادر في سلسلة التوريد ووسائل إعلام محلية، فإن الشركة تواجه صعوبة متزايدة في مواكبة احتياجات العملاء، ما يدفعها إلى إعادة تقييم أسعار خدمات التغليف المتقدم.
ولم تؤكد TSMC هذه التقارير حتى الآن، لذلك يظل رفع الأسعار المقترح غير محسوم. لكن إذا تحقق، فسيكون تطوراً مهماً في سوق أشباه الموصلات، خصوصاً أن تقنية CoWoS تمثل إحدى أكثر المراحل تعرضاً لضغوط الإمدادات في سلسلة توريد عتاد الذكاء الاصطناعي.
CoWoS.. عنق الزجاجة في تصنيع مسرّعات الذكاء الاصطناعي
تتيح تقنية CoWoS دمج شرائح المعالجة المنطقية مع مكدسات الذاكرة عالية النطاق الترددي HBM ضمن حزمة واحدة، ما يوفر لمسرّعات الذكاء الاصطناعي عرض النطاق الترددي اللازم للتعامل مع أحمال العمل الضخمة. ومع اتجاه الشركات إلى زيادة عدد وحدات المعالجة والذاكرة داخل الحزمة الواحدة، أصبحت عمليات التغليف أكثر تعقيداً، سواء من ناحية التصنيع أو الاختبار أو توفير المكونات اللازمة.
وتوضح منتجات NVIDIA الحالية والمستقبلية حجم هذا التحدي. فمعالجات Blackwell تجمع بالفعل بين شريحتين كبيرتين لوحدة معالجة الرسوميات وثماني مكدسات من ذاكرة HBM3E، بينما يُتوقع أن تدفع أجيال Rubin وRubin Ultra مستويات الدمج إلى أبعد من ذلك، ما يزيد الضغط على قدرات التغليف المتقدم ومكونات سلسلة التوريد المرتبطة به.
ولا يقتصر تأثير هذا الضغط على وحدات معالجة الرسوميات، إذ تتنافس معالجات الخوادم المركزية والدوائر المتكاملة المخصصة ASICs أيضاً على الطاقة الإنتاجية المتاحة لتقنيات التغليف المتقدم. ومع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات، أصبحت هذه التقنية عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الشركات على طرح منتجاتها بالكميات المطلوبة وفي المواعيد المحددة.
اختبارات Blackwell وRubin تزيد الضغط على الطاقة الإنتاجية
لا تقتصر الاختناقات على التصنيع والتغليف، بل تمتد إلى مرحلة الاختبار، التي تتطلب وقتاً أطول مع ازدياد تعقيد الشرائح. ووفقاً لتقارير سابقة، تستغرق اختبارات معالجات NVIDIA Blackwell مدة أطول بنحو ثلاث إلى أربع مرات مقارنة بالجيل السابق Hopper، بينما قد تحتاج Rubin إلى فترة اختبار تصل إلى سبعة أضعاف المدة المطلوبة لبعض الأجيال السابقة، وفقاً للتقديرات الواردة في التقارير.
وتعني دورات الاختبار الأطول بقاء معدات الاختبار مشغولة لفترات إضافية، ما يقلل عدد الوحدات التي يمكن فحصها خلال فترة زمنية محددة ويجعل زيادة الإنتاج أكثر صعوبة. وفي ظل الطلب المتنامي على مسرّعات الذكاء الاصطناعي، تصبح كل مرحلة إضافية من مراحل التصنيع والاختبار عاملاً مؤثراً في الطاقة الإنتاجية النهائية.
وتتزامن هذه الضغوط مع تأخر وصول معدات تصنيع أشباه الموصلات، إذ تشير التقارير إلى أن فترات الانتظار التي كانت تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر امتدت في بعض الحالات إلى نحو ثمانية أشهر. وهذا التأخير يجعل الحصول على المعدات في الوقت المناسب أولوية أكبر لدى TSMC، حتى لو تطلب الأمر قبول شروط شراء أقل ملاءمة من الناحية المالية.
وبحسب المعلومات المتداولة، طلبت TSMC معدات العام الحالي بالأسعار القائمة، بدلاً من إعادة التفاوض للحصول على خصومات أو مزايا إضافية، في خروج عن نهجها المعتاد في استغلال قوتها الشرائية لتحسين شروط التوريد. ويعكس ذلك مدى أهمية تأمين المعدات في موعدها، في وقت أصبحت فيه زيادة الطاقة الإنتاجية ضرورة ملحة لمواكبة الطلب.
احتياجات معدات TSMC تتجاوز التوقعات الأولية
تأتي هذه التطورات امتداداً لضغوط ظهرت خلال الأشهر الماضية. ففي سبتمبر، أشارت تقارير إلى أن الاحتياجات المتوقعة لشركة TSMC من معدات تصنيع أشباه الموصلات قاربت الضعف خلال ستة أشهر، مع تسارع الطلب على الرقائق المخصصة للذكاء الاصطناعي وتوسع الشركة في خطط الإنتاج.
وكان كليف هو، نائب الرئيس التنفيذي المشارك للعمليات في TSMC، قد أوضح أن احتياجات الشركة المتوقعة من المعدات وصلت بحلول يوليو إلى نحو 1.9 مرة من التقديرات الأصلية، نتيجة التسارع في الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما أشار إلى أن الشركة لم تشهد خلال تاريخها، مقارنة بما كان يحدث قبل نحو 30 عاماً، زيادة بهذا الحجم وبهذا التكرار في تغيرات الطلب.
وتوضح هذه التصريحات صعوبة التخطيط للطاقة الإنتاجية في سوق تتغير فيه احتياجات العملاء بسرعة، خصوصاً مع انتقال المنافسة من تصنيع الشرائح التقليدية إلى توفير حزم معقدة تضم وحدات معالجة وذاكرة عالية النطاق الترددي ومكونات متعددة ضمن تصميم واحد.
GlobalFoundries تساعد في توسيع سلسلة توريد CoWoS
في محاولة لتخفيف بعض القيود، تعمل TSMC على توسيع شبكة مورديها في مجال التغليف المتقدم. ووفقاً للتقرير، اتفقت شركة GlobalFoundries في وقت سابق من أكتوبر على تصنيع ركائز وسيطة من السيليكون Silicon Interposers لصالح تقنية CoWoS التابعة لـTSMC في الولايات المتحدة، بموجب عقد مدته خمس سنوات تبلغ قيمته ملياري دولار.
ومن المتوقع أن يبدأ رفع الإنتاج تدريجياً خلال النصف الأول من عام 2028. وقد يساعد هذا الاتفاق في توسيع قاعدة الإمدادات وتقليل بعض الضغوط على سلسلة التوريد، لكنه لن يحل جميع الاختناقات بمفرده، لأن الركائز الوسيطة تمثل جزءاً واحداً فقط من عملية التغليف المتقدم، التي تشمل مراحل متعددة من التصنيع والتجميع والاختبار.
زيادة محتملة في أسعار الرقائق المتقدمة خلال 2027
إلى جانب الزيادة المحتملة في أسعار CoWoS، تشير التقارير إلى أن TSMC تدرس رفع أسعار أوسع خلال عام 2027، مع توقعات بزيادة أسعار الرقائق المصنعة باستخدام تقنيات العمليات المتقدمة بنسبة تتراوح بين 5% و10%.
ومن المرجح، وفقاً لهذه التقارير، أن تواجه المنتجات المصنعة باستخدام تقنيات 2 نانومتر و3 نانومتر أكبر الزيادات، في حين قد يتحمل العملاء الذين يطلبون طاقة إنتاجية إضافية تتجاوز حصصهم الأصلية رسوماً أعلى. وفي بعض الحالات، قد تصل الزيادة الإجمالية في التكلفة إلى نحو 25%، بحسب ظروف التخصيص والطلب.
وتعكس هذه التوجهات ضغوطاً متزامنة على مراحل مختلفة من سلسلة تصنيع أشباه الموصلات، من إنتاج الرقائق على مستوى السيليكون إلى التغليف المتقدم والاختبار. وإذا أقدمت TSMC على تنفيذ الزيادات المبلغ عنها، فقد تواجه الشركات المطورة لمسرّعات الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً إضافياً في تكلفة المنتجات، وهو ما قد ينعكس بدوره على تكلفة بناء وتشغيل مراكز البيانات.
توسع الإنتاج لمواكبة الطلب المتزايد
وفقاً لتقديرات صناعية نقلتها TrendForce، تتجاوز الطاقة الإنتاجية الشهرية لشركة TSMC مستوى 106 آلاف رقاقة خلال عام 2026، مع استهداف الوصول إلى نحو 227 ألف رقاقة شهرياً في عام 2027، في محاولة لمواكبة الطلب على معالجات الذكاء الاصطناعي الأكثر تعقيداً.
ومع ذلك، فإن زيادة إنتاج الرقائق وحدها لا تضمن توافر المنتجات النهائية، لأن الطاقة الإنتاجية للتغليف المتقدم ومعدات الاختبار وتوافر المكونات اللازمة يجب أن تنمو بالتوازي. وهذا ما يجعل CoWoS إحدى النقاط الأكثر حساسية في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع استعداد الشركات لإطلاق أجيال جديدة تتطلب تكاملاً أكبر بين وحدات المعالجة والذاكرة.
في النهاية، إذا تأكدت الزيادة المقترحة بنسبة 20% في أسعار CoWoS، بالتزامن مع الزيادات المحتملة في أسعار الرقائق المتقدمة خلال 2027، فقد ترتفع تكاليف إنتاج مسرّعات الذكاء الاصطناعي بصورة إضافية. ومن المرجح أن تتحمل الشركات المصنعة ومشغلو مراكز البيانات جزءاً من هذه الزيادة، مع احتمال انتقال جانب منها إلى العملاء النهائيين عبر ارتفاع تكاليف البنية التحتية والخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.



