خلال الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان نموذج التفاعل بسيطاً وواضحاً: إدخال الرموز (Tokens In)، والحصول على الرموز (Tokens Out). كان المستخدم يكتب مطالبة (Prompt)، ويقوم النموذج بمعالجتها، ثم يعرض النتيجة على الشاشة، بينما كانت معظم عمليات المعالجة تتم أثناء مرحلة الاستدلال (Inference)، وغالباً بالاعتماد على وحدات معالجة الرسوميات (GPU) في مراكز البيانات السحابية.
إلا أن هذا النموذج بدأ يشهد تحولاً جذرياً مع ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI).
فاليوم، أصبحت وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) قادرة على قراءة الملفات، وتشغيل الأكواد البرمجية، واستخدام التطبيقات المحلية، واستدعاء الأدوات المختلفة، وإنجاز المهام متعددة الخطوات بشكل مستقل. وفي هذا النموذج الجديد، لم يعد توليد النصوص هو الهدف النهائي، بل أصبح مجرد البداية.
وأصبح المفهوم الجديد لتفاعل الذكاء الاصطناعي يتمثل في:
Tokens In… Actions Out

من الإجابة عن الأسئلة إلى إنجاز المهام
يكمن الفرق الحقيقي بين الجيل السابق والجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي في طبيعة المهام التي يستطيع تنفيذها.
فعلى سبيل المثال، إذا طلب المستخدم من مساعد ذكاء اصطناعي شرح كيفية تقديم إقراره الضريبي، فإن المهمة تقتصر على فهم اللغة وتوليد إجابة مناسبة.
أما إذا طلب من وكيل ذكاء اصطناعي مساعدته في تقديم الإقرار الضريبي فعلياً، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً، إذ قد يحتاج الوكيل إلى فتح المستندات، واستخراج البيانات، وإجراء العمليات الحسابية، والتفاعل مع التطبيقات المختلفة، ثم التحقق من صحة النتائج قبل إكمال المهمة.
وهذا ما يحول الذكاء الاصطناعي من مجرد نظام للإجابة عن الأسئلة إلى مساعد قادر على تنفيذ الأعمال بشكل مباشر.

دورة عمل مستمرة بين النموذج والجهاز
يعتمد هذا النوع من التطبيقات على حلقة عمل مستمرة، حيث يحدد نموذج الذكاء الاصطناعي الخطوة التالية، ثم يقوم الوكيل باستدعاء الأداة المناسبة، بينما يتولى معالج الجهاز (Client CPU) تنفيذ العملية المطلوبة، قبل إعادة النتائج إلى النموذج لمتابعة تنفيذ بقية المهمة.
وتتم نسبة كبيرة من هذه العمليات على جهاز المستخدم نفسه، مثل:
- قراءة الملفات المحلية.
- تشغيل أكواد Python.
- ترجمة (Compile) البرامج.
- البحث داخل المشاريع البرمجية.
- التحكم في التطبيقات.
- تنفيذ الأدوات المختلفة.
ولهذا السبب، لم يعد أداء وكلاء الذكاء الاصطناعي يعتمد فقط على سرعة توليد الرموز (Tokens)، بل أصبح يعتمد أيضاً على سرعة الجهاز في تحويل تلك الرموز إلى إجراءات فعلية.

المعالج المركزي… الحلقة الأساسية في تنفيذ المهام
بينما يحدد نموذج الذكاء الاصطناعي القرار التالي أثناء مرحلة الاستدلال، يتولى المعالج المركزي (CPU) تنفيذ الجزء الأكبر من العمليات الفعلية.
فعند تشغيل البرامج، أو تحليل الملفات، أو تنفيذ الأوامر، أو تنسيق العمل بين عدة وكلاء، يكون الـCPU مسؤولاً عن تنفيذ المهام وجدولتها، حتى عندما تتم عمليات الاستدلال نفسها على وحدة معالجة الرسوميات (GPU) أو وحدة معالجة الذكاء الاصطناعي (NPU).
وتزداد أهمية المعالج المركزي كلما أصبحت المهام أكثر تعقيداً، إذ قد يكتفي روبوت المحادثة التقليدي بإنتاج إجابة واحدة، بينما قد يحتاج وكيل الذكاء الاصطناعي إلى تنفيذ عشرات العمليات المختلفة قبل إنهاء المهمة.
كما تستطيع الأنظمة الأكثر تطوراً تشغيل عدة وكلاء فرعيين بالتوازي، بحيث يقرأ كل منهم الملفات، ويشغل الأوامر، ويعالج النتائج في الوقت نفسه، وهو ما يزيد الضغط على موارد المعالج المركزي.

أداء CPU أصبح عاملاً حاسماً
في هذا النوع من أعباء العمل، يؤثر أداء المعالج المركزي بصورة مباشرة على:
- سرعة تنفيذ الأدوات.
- زمن ترجمة البرامج (Compilation).
- معالجة البيانات المحلية.
- استجابة التطبيقات.
- الزمن الكلي لإنجاز المهمة.
ولهذا، فإن امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي سريع لا يكفي إذا كانت جميع العمليات التنفيذية تنتظر استجابة الجهاز.
أجهزة الجيل الجديد مصممة لوكلاء الذكاء الاصطناعي
مع استمرار تطور نماذج الذكاء الاصطناعي وزيادة كفاءتها في توليد الرموز، أصبحت عمليات التنفيذ المحلية تمثل جزءاً أكبر من إجمالي عبء العمل.
وتوضح AMD ذلك من خلال اختبار يعتمد على سير عمل Codex لتطوير البرمجيات، حيث تم تشغيل ستة وكلاء ChatGPT 5.5 High في الوقت نفسه لتنفيذ مجموعة متنوعة من المهام، شملت:
- تحليل الشيفرة المصدرية (AST Analysis).
- التحليل الساكن (Static Analysis).
- اختبارات الترجمة والاستيراد.
- تنفيذ اختبارات برمجية.
- معالجة ملفات JSON وCSV.
- تنفيذ استعلامات SQLite.
- الضغط والتجزئة (Compression & Hashing).
- إدارة الحزم وملفات Manifest.
- تشغيل أدوات تطوير محلية متنوعة باستخدام منصة اختبار مبنية بلغة Python.
وأظهرت النتائج أن جهاز ASUS ProArt المزود بمعالج AMD Ryzen AI Max+ قدم أداءً في معالجة مهام الـCPU يصل إلى ستة أضعاف مقارنة بحاسب محمول يعود عمره إلى أربع سنوات ضمن هذا السيناريو متعدد الوكلاء.
وتشير هذه النتائج إلى أن أداء المعالج المركزي أصبح عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في سرعة إنجاز المهام التي تعتمد على التعامل مع الملفات المحلية، وتشغيل التطبيقات، وأدوات التطوير.

المعالج المركزي أصبح جزءاً من منظومة الذكاء الاصطناعي
مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد إنشاء المحتوى إلى تشغيل التطبيقات وتنفيذ المهام على أجهزة المستخدمين، أصبح العتاد المحلي جزءاً أساسياً من دورة عمل الذكاء الاصطناعي.
ففي حين تستمر وحدات معالجة الرسوميات السحابية في تشغيل النماذج الضخمة، وتوفر وحدات GPU وNPU المحلية تسريعاً لعمليات الاستدلال الخاصة، يبقى المعالج المركزي (CPU) هو البيئة التنفيذية التي تسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بتحويل قراراتهم إلى إجراءات فعلية.
وتؤكد AMD أن أهمية المعالجات المركزية ستزداد مع انتشار تطبيقات Agentic AI سواء على الحواسيب الشخصية أو داخل مراكز البيانات، حيث يؤدي كل من AMD Ryzen AI وAMD EPYC أدواراً متكاملة في تشغيل هذا الجيل الجديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي النهاية، لم يعد المقياس الحقيقي لكفاءة وكيل الذكاء الاصطناعي هو سرعة إنتاج الرموز، بل سرعة إنجاز المهمة بالكامل. فبعد انتهاء مرحلة الاستدلال، تبدأ المرحلة الأهم، وهي قراءة الملفات، وتشغيل الأكواد، واستخدام التطبيقات، والتنسيق بين الأدوات المختلفة، وهي جميعها مهام تجعل أداء المعالج المركزي عنصراً أساسياً في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى إنتاجية حقيقية.



