عندما تُنشر التغطيات الإعلامية لأي معرض تقني عالمي، فإنها تكاد تتشابه جميعاً. صور للأجنحة، وعناوين عن المنتجات الجديدة، ومقاطع فيديو للمنصات الرئيسية، وملخصات للمؤتمرات الصحفية. وبعد انتهاء الحدث بأيام، تمتلئ شبكة الإنترنت بآلاف المقالات التي تتحدث عن أفضل المعالجات، وأقوى البطاقات الرسومية، وأحدث الحواسب المحمولة، وكأن هذا هو كل ما جرى داخل المعرض.
لكن الحقيقة مختلفة تماماً.
فبعد سنوات من حضور COMPUTEX، أدركنا أن ما يظهر أمام عدسات الكاميرات لا يمثل سوى جزء صغير من القصة، بينما يبقى الجزء الأكبر بعيداً عن الأنظار، في الممرات، وغرف الاجتماعات، والمصاعد، وصالات الانتظار، والمطاعم المحيطة بمركز المعارض، وحتى في الحافلات التي تنقل الزوار بين الفنادق وقاعات Nangang Exhibition Center.
هناك، بعيداً عن الأضواء، تُقال الجمل الأكثر صدقاً، وتُناقش التحديات الحقيقية، وتظهر ملامح الصناعة كما هي، دون عبارات تسويقية أو عروض تقديمية صممت بعناية لإبهار الجمهور. وهناك أيضاً يستطيع الصحفي أن يرى ما لا تنقله البيانات الصحفية، وأن يفهم ما لا يمكن استنتاجه من الصور أو مقاطع الفيديو.
ولهذا، لم أكتب هذا المقال لأتحدث عن المنتجات التي شاهدتها، فقد تناولنا ذلك بالتفصيل في مقالات أخرى، كما لم أكتبه لتحليل مستقبل الذكاء الاصطناعي أو صناعة أشباه الموصلات، لأن هذا الجانب خصصنا له دراسة مستقلة. هذا المقال مختلف في طبيعته؛ فهو محاولة لتوثيق ما شعرت به وأنا أتنقل بين قاعات المعرض، وما لاحظته من تغيرات لا يمكن قياسها بالأرقام أو المواصفات التقنية، لكنها تعكس بوضوح كيف تتغير صناعة التكنولوجيا من الداخل.
إنه ليس تقريراً إخبارياً، ولا مراجعة لمنتجات، ولا تحليلاً اقتصادياً بالمعنى التقليدي، بل مجموعة من الملاحظات التي دونتها خلال أربعة أيام متواصلة داخل COMPUTEX 2026، ملاحظات ربما تبدو صغيرة عند النظر إليها منفردة، لكنها عندما تجتمع ترسم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تقدمها البيانات الصحفية.
وخلال تلك الأيام، لم يكن أكثر ما شد انتباهي هو جهاز جديد أو تقنية بعينها، بل الطريقة التي تغير بها المعرض نفسه. فقد بدا COMPUTEX هذا العام وكأنه يعيش مرحلة انتقالية، ليس في حجم الشركات المشاركة أو عدد الزوار، وإنما في هويته. لقد تغيرت طبيعة الحضور، وتغيرت لغة الشركات، وتغيرت الموضوعات التي تدور حولها النقاشات، بل تغير حتى تعريف النجاح داخل المعرض.
في الماضي، كان نجاح أي جناح يقاس بعدد الزوار الذين التقطوا الصور أمامه، أو بعدد الأجهزة الجديدة التي كشف عنها. أما هذا العام، فقد أصبح النجاح يقاس بعدد الاجتماعات التي عقدتها الشركة، ونوعية الشركاء الذين التقت بهم، وحجم المشروعات التي يمكن أن تنشأ بعد انتهاء المعرض. ولعل هذه كانت أول إشارة جعلتني أدرك أن COMPUTEX لم يعد يعيش الدور الذي عرفناه طوال سنوات، وإنما بدأ يؤدي وظيفة مختلفة تماماً.
الفصل الأول
أول ما لاحظته… عدد الكاميرات ازداد، لكن الضجيج الإعلامي انخفض
من المفارقات التي استوقفتني منذ الساعات الأولى داخل المعرض أن عدد صناع المحتوى، والمصورين، وفرق الإنتاج كان أكبر من أي دورة حضرتها سابقاً، ومع ذلك بدا المعرض أكثر هدوءاً من الناحية الإعلامية.
قد يبدو الأمر متناقضاً، لكنه لم يكن كذلك.
ففي السنوات الماضية، كانت معظم الشركات تتسابق لإنتاج لحظة إعلامية صاخبة؛ إطلاق منتج مفاجئ، أو استعراض مبهر، أو إعلان يحمل قدراً من الإثارة يكفي ليتصدر عناوين الأخبار لساعات أو أيام. أما في COMPUTEX 2026، فقد لاحظت أن كثيراً من الشركات لم تعد تبحث عن تلك اللحظة، وكأنها أصبحت تدرك أن القيمة الحقيقية لم تعد في عدد مرات الظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما في نوعية الرسالة التي تريد إيصالها إلى شركائها وعملائها.
حتى المؤتمرات الصحفية نفسها أصبحت أكثر هدوءاً، وأقل استعراضاً، وأكثر ميلاً إلى الحديث عن الخطط والاستثمارات والاتفاقيات طويلة الأجل. لم يعد الهدف إبهار الجمهور بمنتج واحد، بل إقناع السوق بأن لدى الشركة رؤية واضحة للسنوات القادمة.
ومن المثير للاهتمام أن هذا التغيير انعكس أيضاً على طريقة تغطية وسائل الإعلام. فبدلاً من الاندفاع بين الأجنحة بحثاً عن خبر عاجل أو صورة حصرية، أصبح كثير من الصحفيين يقضون وقتاً أطول في الاجتماعات المغلقة، وفي جلسات النقاش التقنية، لأن القيمة الحقيقية للمعلومة لم تعد موجودة على المنصة الرئيسية، بل في التفاصيل التي تُقال خارجها.
أكثر سؤال سمعته خلال أربعة أيام… لم يكن عن الأداء
من الأشياء التي أحب القيام بها في كل معرض هو مراقبة طبيعة الأسئلة التي يطرحها الصحفيون والموزعون والشركاء خلال اللقاءات المختلفة. فهي غالباً تكشف عن اهتمامات السوق أكثر مما تكشفه العروض الرسمية.
قبل سنوات، كانت الأسئلة تتكرر حول عدد الأنوية، وسرعات التشغيل، وأسعار المنتجات، ومواعيد الإطلاق. وكانت الشركات تستعد لهذه الأسئلة مسبقاً، لأنها تعلم أنها ستكون محور النقاش.
أما هذا العام، فقد فوجئت بأن هذه الأسئلة تراجعت إلى الخلف بصورة واضحة.
بدلاً منها، أصبح الحديث يدور حول قدرة الشركات على تلبية الطلب، والطاقة الإنتاجية للمصانع، ومدى جاهزية سلاسل الإمداد، واستهلاك الطاقة، ودعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وخطط التوسع خلال السنوات المقبلة.
هذا التحول في طبيعة الأسئلة كان بالنسبة لي أكثر أهمية من كثير من المنتجات التي شاهدتها، لأنه يعكس تغيراً في عقلية السوق نفسها. فعندما تتغير الأسئلة، فهذا يعني أن الأولويات تغيرت، وأن الصناعة بدأت تبحث عن إجابات مختلفة عما كانت تبحث عنه قبل عام أو عامين.
ولعل هذه كانت الرسالة الأوضح التي خرجت بها من COMPUTEX 2026؛ لم تعد المنافسة تدور حول من يمتلك المنتج الأقوى، بل حول من يمتلك القدرة على الاستمرار، والتوسع، وتلبية احتياجات سوق ينمو بسرعة غير مسبوقة.
الفصل الثاني
المعرض الحقيقي يبدأ قبل افتتاح الأبواب
هناك صورة ذهنية راسخة لدى كثير من المتابعين عن المعارض التقنية؛ قاعات مكتظة بالزوار، أجنحة مضاءة بعناية، شاشات عملاقة، ومنتجات جديدة تتصدر المشهد منذ اللحظة الأولى. غير أن هذه الصورة، على جمالها، لا تعكس سوى الساعات التي تُفتح فيها الأبواب للجمهور. أما بالنسبة للصحفيين، فإن اليوم يبدأ قبل ذلك بكثير.
كانت رحلتنا اليومية تبدأ في وقت مبكر، قبل أن تمتلئ ممرات مركز نانجانج بالزوار. وخلال تلك الساعات الهادئة، يمكن ملاحظة تفاصيل لا يلتفت إليها معظم الحاضرين. فرق العمل ما تزال تراجع العروض الأخيرة، والمهندسون يختبرون الأجهزة للمرة الأخيرة قبل بدء العروض الحية، وموظفو العلاقات العامة يتأكدون من جداول الاجتماعات، بينما يتحرك مسؤولو الشركات بين القاعات بسرعة لافتة وكأنهم يديرون غرفة عمليات أكثر من كونهم يستعدون لافتتاح معرض.
في تلك اللحظات، يدرك المرء أن نجاح الجناح لا يُبنى خلال أيام المعرض، وإنما هو نتيجة أشهر طويلة من التخطيط والعمل. فكل شاشة عرض، وكل منصة تجريبية، وكل عرض تقديمي، يقف خلفه فريق كامل عمل على أدق التفاصيل، لأن أي خلل صغير قد يتحول خلال دقائق إلى مادة تتداولها وسائل الإعلام أو تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن ما أثار اهتمامي أكثر لم يكن هذا التنظيم الدقيق، وإنما التغير في طبيعة الاستعدادات نفسها. ففي الدورات السابقة، كان التركيز الأكبر ينصب على تجهيز منصات استعراض المنتجات، بينما لاحظت هذا العام اهتماماً أكبر بغرف الاجتماعات والمساحات المخصصة لاستقبال الشركاء والعملاء. حتى توزيع بعض الأجنحة تغير بصورة تعكس هذا التوجه؛ فقد تقلصت مناطق العرض المفتوحة في بعض الحالات، مقابل توسع واضح في المساحات المخصصة للاجتماعات الخاصة، وكأن الشركات باتت تعتبر أن الاتفاقيات التي ستُوقّع خلال هذه الأيام أكثر أهمية من عدد الصور التي سيلتقطها الزوار أمام منتجاتها.
المؤتمرات الصحفية لم تعد المكان الذي تُعلن فيه أهم الأخبار
خلال سنوات عملي في تغطية المعارض الدولية، اعتدت أن أضع المؤتمرات الصحفية في مقدمة جدول الأعمال، لأنها كانت المصدر الرئيسي للإعلانات الكبرى. أما في COMPUTEX 2026، فقد وجدت نفسي أصل إلى نتيجة مختلفة تماماً.
لم تعد أهم المعلومات تُقال على المسرح.
قد يبدو هذا الاستنتاج غريباً، لكنه كان يتكرر بصورة واضحة مع مرور الأيام. فالمؤتمرات الصحفية أصبحت أقرب إلى إعلان رسمي عن توجهات سبق أن نوقشت مع الشركاء أو كُشف عنها بصورة غير مباشرة خلال الاجتماعات المغلقة. أما التفاصيل الأكثر أهمية، فكانت تظهر عندما ينتهي المؤتمر، ويجلس الصحفيون مع المهندسين أو مديري المنتجات في جلسات أصغر وأكثر تخصصاً.
هناك فقط تبدأ الأسئلة الحقيقية.
لماذا اختارت الشركة هذا الاتجاه؟
ما الذي دفعها إلى تغيير استراتيجيتها؟
ما هي التحديات التي واجهتها أثناء التطوير؟
كيف ترى المنافسة خلال السنوات المقبلة؟
هذه الأسئلة نادراً ما تجد لها مكاناً على المنصة الرئيسية، لأنها تحتاج إلى وقت، وإلى حوار، وإلى مساحة تسمح بالشرح والتحليل، وهي أمور لا توفرها المؤتمرات الصحفية التي تُبنى غالباً وفق جدول زمني دقيق ورسائل إعلامية محددة.
ومن هنا، أدركت أن قيمة الصحفي في مثل هذه المعارض لم تعد تقاس بعدد المؤتمرات التي حضرها، وإنما بقدرته على الوصول إلى تلك الحوارات الجانبية التي تكشف الخلفيات الحقيقية للقرارات المعلنة.
تغيرت لغة الشركات… واختفت لغة الانتصار
من الملاحظات التي أثارت انتباهي أيضاً أن الخطاب الإعلامي للشركات أصبح أكثر نضجاً وواقعية مقارنة بالسنوات السابقة.
في الماضي، كانت العبارات التي تتكرر في المؤتمرات الصحفية تكاد تكون متطابقة: “الأفضل في العالم”، “الأسرع على الإطلاق”، “ثورة جديدة”، “إعادة تعريف الصناعة”. وكانت كل شركة تحاول أن تبدو وكأنها انتصرت بالفعل على جميع منافسيها.
أما هذا العام، فقد اختفت هذه اللغة إلى حد كبير.
بدلاً من الحديث عن التفوق المطلق، أصبحت الشركات تتحدث عن التعاون، والتكامل، والشراكات، وبناء المنصات، وحل المشكلات التي تواجه العملاء. حتى عند الحديث عن المنافسة، كان الخطاب أكثر هدوءاً، وأقل ميلاً إلى المقارنات المباشرة.
في البداية، ظننت أن الأمر مجرد تغير في أسلوب التسويق، لكن مع تكرار المشهد في أكثر من جناح، بدأت أقتنع بأن السبب أعمق من ذلك.
لقد أصبحت الشركات تدرك أن تعقيد صناعة التكنولوجيا الحديثة يجعل من المستحيل تقريباً أن تحقق النجاح بمفردها. فالشركة التي تطور أفضل معالج تحتاج إلى شريك يصنع الذاكرة، وإلى آخر يوفر الشبكات، وإلى ثالث يطور البرمجيات، وإلى رابع يبني البنية التحتية. ولهذا أصبح من الطبيعي أن تتراجع لغة “الانتصار على المنافسين”، لتحل محلها لغة “بناء منظومات مشتركة” و”تعزيز التعاون” و”توسيع النظام الصناعي”.
ورغم أن المنافسة لم تختفِ بالطبع، فإنها أصبحت أقل صخباً وأكثر تعقيداً، وهو ما انعكس بوضوح على الطريقة التي تحدث بها مسؤولو الشركات طوال أيام المعرض.
أكثر ما أدهشني… عدد الاجتماعات يفوق عدد العروض
في نهاية كل يوم، كنت أراجع جدول التغطية وأقارن بين الوقت الذي قضيته في مشاهدة المنتجات، والوقت الذي أمضيته في الاجتماعات والحوارات. وكانت النتيجة لافتة.
للمرة الأولى، وجدت أن الجزء الأكبر من يومي لم يكن داخل مناطق العرض، بل داخل غرف الاجتماعات.
قد يبدو هذا أمراً طبيعياً بالنسبة للعاملين في قطاع الأعمال، لكنه يعكس تحولاً مهماً في طبيعة COMPUTEX نفسه. فالمعرض لم يعد مجرد مساحة لعرض الابتكارات أمام الجمهور، بل أصبح منصة لعقد الشراكات، ومناقشة المشاريع المستقبلية، وبناء العلاقات التي ستحدد شكل السوق خلال السنوات المقبلة.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل كثيراً من التنفيذيين يقضون معظم وقتهم بعيداً عن الأجنحة، متنقلين بين الاجتماعات الخاصة أكثر من تنقلهم بين منصات العرض. فبالنسبة لهم، لا يُقاس نجاح المشاركة بعدد الزوار، وإنما بعدد الاتفاقيات التي يمكن أن تبدأ من اجتماع استمر ثلاثين دقيقة خلف باب مغلق.
وهنا أدركت أن الصورة التي تصل إلى المتابع عبر الإنترنت تمثل جانباً واحداً فقط من الحدث، بينما يبقى الجانب الأكثر تأثيراً بعيداً عن العدسات، حيث تُناقش القرارات التي ستتحول بعد أشهر إلى منتجات يراها العالم على رفوف المتاجر، دون أن يعرف أين بدأت قصتها الحقيقية.
الفصل الثالث
الجمهور تغير… ولم يعد المعرض موجهاً لمن كان موجهاً إليهم في الماضي
من أكثر الملاحظات التي استوقفتني خلال COMPUTEX 2026 أن التغيير لم يكن مقتصراً على الشركات أو المنتجات، بل شمل الجمهور نفسه. فمن اعتاد حضور المعرض قبل عشرة أو خمسة عشر عاماً سيلحظ أن التركيبة البشرية التي تملأ القاعات اليوم تختلف بصورة واضحة عما كانت عليه في السابق.
في السنوات الأولى التي حضرت فيها COMPUTEX، كان من السهل تمييز هوية الزائر. كانت الأغلبية من موزعي الحواسب، ومتاجر التجزئة، وشركات التجميع، والمراجعين التقنيين، وعشاق كسر السرعة، والإعلاميين المتخصصين في العتاد. وكانت النقاشات تدور حول أداء المعالجات، واستقرار اللوحات الأم، وسرعات الذاكرة، وقدرات كسر السرعة، وكفاءة أنظمة التبريد.
أما هذا العام، فقد بدا المشهد مختلفاً بصورة لافتة. صحيح أن هذه الفئات ما زالت حاضرة، لكنها لم تعد تمثل الأغلبية كما كانت في السابق. وبينما كنت أتجول بين الأجنحة، وجدت نفسي ألتقي بعدد كبير من الأشخاص الذين لا ينتمون إلى قطاع الحواسب التقليدي أصلاً. مستثمرون، ومديرو صناديق استثمار، ومسؤولو شركات صناعية، وممثلون عن مؤسسات حكومية، وخبراء في الطاقة، ومتخصصون في مراكز البيانات، ومهندسون يعملون في قطاعات لا ترتبط مباشرة بالحواسب الشخصية.
هذا التغير لم يكن مجرد انطباع شخصي، بل كان ينعكس حتى على طبيعة النقاشات التي تدور في المقاهي، وصالات الاستراحة، والممرات. فبدلاً من الحديث عن نتائج اختبارات الأداء أو المقارنات بين بطاقتين رسوميتين، أصبح كثير من الحوارات يدور حول بناء مراكز بيانات جديدة، وتوفير الطاقة، وتوسعة خطوط الإنتاج، والعائد المتوقع من الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وقد أدركت حينها أن COMPUTEX لم يعد يجذب فقط من يريد شراء التكنولوجيا، بل أصبح يجذب من يريد الاستثمار فيها، أو المشاركة في صناعتها، أو بناء أعماله حولها. وهذه نقطة فارقة في تطور أي معرض؛ لأن تغير طبيعة الجمهور يعني أن وظيفة الحدث نفسه قد تغيرت.
لم أعد أرى شركات تعرض منتجات… بل شركات تعرض رؤيتها للعقد القادم
من العادات التي أحرص عليها في كل معرض أن أقضي بعض الوقت داخل كل جناح دون أن أبدأ مباشرة في تصوير المنتجات أو طرح الأسئلة. أفضل دائماً أن أراقب طريقة تقديم الشركة لنفسها قبل أن أركز على التفاصيل التقنية، لأن طريقة العرض تكشف كثيراً عن طريقة التفكير.
في COMPUTEX 2026 لاحظت شيئاً لم يكن بهذا الوضوح في الدورات السابقة.
لم تعد معظم الشركات تبدأ حديثها بالمنتج.
بل بدأت بالرؤية.
قبل أن تعرض جهازاً جديداً، كانت تشرح المشكلة التي تحاول حلها. وقبل أن تتحدث عن معالج أو وحدة تخزين أو خادم، كانت تتحدث عن مستقبل الذكاء الاصطناعي، أو تحديات الطاقة، أو نمو مراكز البيانات، أو احتياجات المؤسسات خلال السنوات القادمة.
حتى عندما أصل إلى منصة عرض منتج معين، كنت أجد أن المهندس المسؤول لا يبدأ بشرح المواصفات، وإنما يبدأ بالإجابة عن سؤال مختلف: لماذا صممنا هذا المنتج أصلاً؟
وقد بدا لي أن هذا التغيير لم يكن مصطنعاً، بل يعكس تحولاً داخل الشركات نفسها. فبدلاً من تطوير منتج ثم البحث عن طريقة لتسويقه، أصبحت الشركات تبدأ بتحليل اتجاهات السوق، ثم تصمم حلولها استجابة لهذه الاتجاهات.
قد يبدو الفرق بسيطاً، لكنه في الحقيقة يغير طريقة التفكير بالكامل.
فالمنتج لم يعد نقطة البداية.
بل أصبح النتيجة.
أكثر ما افتقدته… روح المنافسة التقليدية
قد يبدو ما سأقوله غريباً بعض الشيء، لكنه كان من أكثر الأمور التي شعرت بها خلال المعرض.
لقد افتقدت شيئاً من روح المنافسة التي كانت تميز COMPUTEX في الماضي.
لا أقصد أن المنافسة اختفت، فهي في الحقيقة أصبحت أشد من أي وقت مضى، لكن طريقة التعبير عنها تغيرت.
أتذكر جيداً كيف كانت الشركات قبل سنوات تحاول أن تثبت تفوقها بصورة مباشرة. كانت المقارنات حاضرة في كل مكان، وكانت لغة التحدي واضحة في المؤتمرات الصحفية، وكانت المنافسة على جذب الانتباه جزءاً من شخصية المعرض.
أما في COMPUTEX 2026، فقد أصبحت هذه الروح أكثر هدوءاً.
لم تعد الشركات منشغلة بإثبات أنها الأفضل في منتج واحد، لأنها أصبحت تدرك أن نجاحها يعتمد على عشرات الشركاء الذين يقفون إلى جانبها. فمن الصعب أن تتحدث عن معالج متقدم دون أن تشير إلى الذاكرة التي يعتمد عليها، أو إلى الشبكات التي تنقل بياناته، أو إلى أنظمة التبريد التي تحافظ على استقراره، أو إلى البرمجيات التي تستفيد من قدراته.
لقد أصبحت الصناعة أكثر ترابطاً من أي وقت مضى، وهذا الترابط فرض على الجميع لغة جديدة، تقوم على التكامل أكثر مما تقوم على المواجهة المباشرة.
ورغم أنني أفتقد أحياناً تلك الحماسة التي كانت تميز المعارض في الماضي، فإنني أدرك في الوقت نفسه أن ما نشهده اليوم هو علامة على نضوج الصناعة، لا على تراجعها.
الشيء الوحيد الذي لم يتغير… شغف المهندسين
وسط كل هذه التحولات، كان هناك شيء واحد بقي كما هو.
كلما جلست مع أحد المهندسين، أو مدير فريق تطوير، أو مسؤول عن تصميم منتج، كنت أجد الشغف نفسه الذي رأيته قبل سنوات.
قد تتغير الاستراتيجيات، وتتبدل الأسواق، وتختلف أولويات الشركات، لكن المهندس الحقيقي يظل يتحدث عن عمله بالطريقة نفسها؛ بحماس، وفضول، ورغبة في شرح التفاصيل الدقيقة التي قد لا يلاحظها معظم الزوار.
في كثير من الأحيان، كانت أكثر الحوارات متعة بالنسبة لي هي تلك التي تبدأ بعد انتهاء المقابلة الرسمية. عندما تُغلق الكاميرات، وتُترك البيانات الصحفية جانباً، يبدأ الحديث عن المشكلات التي واجهها الفريق أثناء التطوير، والحلول التي لم تنجح، والأفكار التي ما زالت قيد التجربة.
في تلك اللحظات، لا ترى ممثل شركة يحاول تسويق منتج، بل ترى مهندساً يشعر بالفخر لأنه استطاع حل مشكلة هندسية كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات.
وربما كان هذا هو أكثر ما أحببته في COMPUTEX 2026.
فمهما تغيرت الصناعة، ومهما أصبحت القرارات أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والاستثمار والسياسة، يبقى الابتكار الحقيقي يبدأ دائماً من شخص جلس أمام شاشة حاسوبه أو داخل مختبره، محاولاً أن يجد طريقة أفضل لحل مشكلة لم يتمكن أحد من حلها من قبل.
وهذه الحقيقة، في رأيي، هي السبب الذي يجعلني أعود إلى تايبيه كل عام. ليس لمشاهدة المنتجات فقط، بل لرؤية الأشخاص الذين يقفون خلفها، لأنهم في النهاية هم من يكتبون الفصل التالي من قصة التكنولوجيا العالمية.
الفصل الرابع
أكثر ما تعلمته من COMPUTEX 2026… أن البيانات الصحفية لا تحكي القصة كاملة
كلما غطيت معرضاً تقنياً جديداً، ازداد اقتناعي بأن البيانات الصحفية أصبحت تمثل نقطة البداية فقط، وليست النهاية. فهي تخبرك بما تريد الشركة أن يعرفه الجميع، لكنها لا تستطيع أن تنقل إليك ما يدور داخل فرق التطوير، ولا حجم النقاشات التي سبقت اتخاذ قرار معين، ولا الأسباب التي دفعت الشركة إلى اختيار طريق دون آخر.
وخلال أربعة أيام من التنقل بين عشرات الاجتماعات، أدركت أن كثيراً من أهم المعلومات لم تكن موجودة في أي بيان صحفي.
لم أسمع أحداً يتحدث عن الخوف من المستقبل على المنصة الرئيسية، لكنني سمعته في الاجتماعات المغلقة.
ولم أجد شركة تعترف بصعوبة المرحلة المقبلة في عرضها التقديمي، لكنني وجدتها تناقش هذه الصعوبات بكل صراحة عندما يتحول الحوار من مقابلة إعلامية إلى نقاش هندسي.
بل إن بعض المهندسين كانوا يتحدثون بحماس عن المشكلات أكثر من حديثهم عن المنتجات نفسها، لأنهم كانوا يرون أن الإنجاز الحقيقي لا يتمثل في الوصول إلى منتج جديد، وإنما في تجاوز العقبات التي اعترضت طريق تطويره.
وهذا تحديداً ما يجعل حضور المعارض العالمية مختلفاً عن متابعتها عبر الإنترنت.
فالمعلومة التي تحصل عليها من شاشة الحاسب هي معلومة صحيحة، لكنها غالباً غير مكتملة.
أما عندما تكون موجوداً داخل الحدث، فإنك ترى لغة الجسد، وتلاحظ ما تتجنبه الشركات، وتفهم لماذا يتم التركيز على موضوع معين وإهمال آخر، وتبدأ في الربط بين الأحداث بطريقة لا يمكن للبيانات الصحفية أن تنقلها.
أكثر شيء فاجأني… لم يكن الذكاء الاصطناعي
قد يبدو هذا التصريح غريباً، خصوصاً أن COMPUTEX 2026 كان يدور بالكامل تقريباً حول الذكاء الاصطناعي، لكن الحقيقة أن أكثر ما أثار دهشتي لم يكن انتشار هذه التقنية، بل سرعة نضجها.
في العام الماضي، كان كثير من الشركات ما يزال يبحث عن أفضل طريقة لإقناع الزوار بأن الذكاء الاصطناعي سيغير كل شيء.
أما هذا العام، فلم يعد أحد يحاول إقناع أحد.
لقد تجاوزت الصناعة هذه المرحلة بالكامل.
لم يعد السؤال المطروح داخل الأجنحة: هل سيغير الذكاء الاصطناعي الصناعة؟
بل أصبح:
كيف يمكننا مواكبة هذا التغيير؟
وهذا فرق جوهري.
فعندما تتوقف الشركات عن الدفاع عن فكرة جديدة، وتبدأ في مناقشة كيفية تنفيذها، فهذا يعني أن الفكرة أصبحت حقيقة اقتصادية، وليست مجرد اتجاه تسويقي.
ولهذا السبب، لم يكن أكثر ما أثار اهتمامي هو عدد المنتجات التي تحمل شعار AI، وإنما اختفاء الحاجة إلى الحديث عن AI باعتباره شيئاً استثنائياً.
لقد أصبح جزءاً من المشهد الطبيعي.
تماماً كما حدث مع الإنترنت قبل أكثر من عشرين عاماً.
في مرحلة معينة، كانت كل شركة تضع كلمة “Internet” على منتجاتها باعتبارها ميزة إضافية.
ثم جاء وقت اختفت فيه الكلمة، ليس لأن الإنترنت أصبح أقل أهمية، بل لأنه أصبح موجوداً في كل شيء.
وأعتقد أن الذكاء الاصطناعي يسير اليوم في الاتجاه نفسه.
لماذا أصبحت أستمتع بالحديث مع المهندسين أكثر من التنفيذيين؟
لا شك أن اللقاءات مع الرؤساء التنفيذيين تمنح الصحفي رؤية استراتيجية مهمة، لكن مع مرور السنوات، أصبحت أجد متعة أكبر في الجلوس مع المهندسين الذين عملوا على تطوير المنتجات.
السبب بسيط.
الرئيس التنفيذي يتحدث عن المستقبل.
أما المهندس، فيتحدث عن الرحلة.
هو لا يخبرك فقط بما أنجزه، بل يشرح لك لماذا فشل في المحاولة الأولى، ولماذا اضطر الفريق إلى إعادة تصميم جزء معين، وكيف تغيرت الفكرة الأصلية أثناء التطوير.
في هذه التفاصيل الصغيرة توجد القصة الحقيقية.
أتذكر أكثر من حوار خلال COMPUTEX 2026 بدأ بسؤال بسيط عن ميزة تقنية، وانتهى بنقاش استمر قرابة ساعة حول القيود الفيزيائية التي أصبحت تواجه صناعة أشباه الموصلات.
ولولا ذلك الحوار، لما فهمت السبب الحقيقي وراء كثير من القرارات التي أعلنتها الشركات لاحقاً.
هذه اللحظات لا تظهر في الفيديوهات الرسمية، ولا تُكتب في الكتيبات الدعائية، لكنها تمنح الصحفي فهماً أعمق بكثير مما يمكن أن تمنحه عشرات البيانات الصحفية.
ولهذا، أصبحت أؤمن بأن أفضل مقابلة في أي معرض ليست بالضرورة مع أشهر شخصية، وإنما مع الشخص الذي قضى سنوات وهو يحاول حل مشكلة واحدة، لأنه غالباً يمتلك من التفاصيل ما لا يعرفه حتى فريق التسويق داخل الشركة.
هل تغير COMPUTEX… أم تغيرنا نحن؟
وأنا أغادر مركز نانجانج في اليوم الأخير، ظل سؤال واحد يرافقني طوال الطريق إلى الفندق.
هل تغير COMPUTEX فعلاً؟
أم أنني أنا الذي أصبحت أراه بطريقة مختلفة؟
ربما يكون الجواب مزيجاً من الأمرين.
فالمعرض بلا شك تغير كثيراً خلال السنوات الأخيرة، لكنني أدرك أيضاً أن خبرة تغطية الأحداث التقنية تغيّر طريقة النظر إليها.
في بداياتي، كنت أبحث عن أكثر منتج إثارة.
ثم أصبحت أبحث عن أكثر تقنية تأثيراً.
واليوم، أجد نفسي أبحث عن شيء مختلف تماماً.
أبحث عن الأسباب.
لماذا اختارت شركة هذا الطريق؟
ولماذا استثمرت أخرى في هذا المجال؟
ولماذا اختفت تقنية كانت تبدو واعدة قبل سنوات؟
ولماذا أصبحت شركات لم تكن معروفة قبل عقد من الزمن تتصدر المشهد اليوم؟
هذه الأسئلة لا تقدم إجابات سريعة، لكنها تساعد على فهم الصورة الكبرى، وهي الصورة التي أعتقد أن الصحافة التقنية أصبحت بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة التحرير… ما الذي سأحمله معي من تايبيه؟
بعد انتهاء كل معرض، تمتلئ حقيبة الصحفي بعشرات الكتيبات، وبطاقات التعارف، والملاحظات، والصور، ومقاطع الفيديو. لكن بعد سنوات، لا يبقى في الذاكرة معظم ذلك.
ما يبقى حقاً هو الانطباعات التي لا يمكن تصويرها.
سيبقى في ذاكرتي من COMPUTEX 2026 ذلك الشعور بأن الصناعة تقف أمام مرحلة تاريخية مختلفة عن كل ما عرفناه خلال العقدين الماضيين.
وسيظل عالقاً في ذهني ذلك الهدوء الذي كانت تتحدث به الشركات عن مشاريع تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وكأنها أصبحت تدرك أن حجم المسؤولية أكبر من أن يُختزل في شعارات تسويقية أو منافسة إعلامية عابرة.
وسأتذكر أيضاً أن أكثر الحوارات فائدة لم تكن تلك التي جرت أمام الكاميرات، بل التي بدأت بعد إغلاق أجهزة التسجيل، عندما تحول الحديث من لغة العلاقات العامة إلى لغة المهندسين، ومن الرسائل التسويقية إلى التحديات الحقيقية التي تواجه الصناعة.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به من رحلتي إلى تايبيه هذا العام.
فالتكنولوجيا لا تُصنع على المنصات، بل في المختبرات.
ولا تُفهم من البيانات الصحفية وحدها، بل من متابعة الأشخاص الذين يقفون خلفها.
ولا تتغير بسبب منتج واحد، بل نتيجة آلاف القرارات الصغيرة التي يتخذها مهندسون، وباحثون، ومستثمرون، وصناع قرار، يعملون بصمت قبل سنوات من وصول أي جهاز إلى أيدي المستخدمين.
وعندما نقرأ COMPUTEX بهذه الطريقة، ندرك أن المعرض ليس مجرد أربعة أيام في أجندة صناعة التكنولوجيا، بل نافذة نطل منها على السنوات القادمة. فالمنتجات التي شاهدناها هذا العام ستتغير، وبعضها سيختفي، وستظهر أجيال جديدة أكثر تطوراً، لكن الأفكار التي بدأت تتشكل داخل تايبيه في صيف 2026 ستظل تؤثر في مسار الصناعة لفترة طويلة.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لأي رحلة صحفية لا تقاس بعدد الأخبار التي نُشرت أو المقابلات التي أُجريت، وإنما بقدرتها على فهم ما لم يُقل، وربط ما بدا متفرقاً، وتحويل عشرات المشاهد اليومية إلى رواية متماسكة تشرح للقارئ ليس فقط ماذا حدث، بل لماذا حدث، وإلى أين يمكن أن يقودنا في المستقبل.



