عندما تصبح وحدات التخزين حجر الأساس لعصر الذكاء الاصطناعي
لم يعد معرض COMPUTEX 2026 مجرد منصة سنوية لاستعراض أحدث الحواسب الشخصية أو بطاقات الرسوميات فحسب، بل تحول إلى مركز عالمي تُرسم فيه ملامح البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء. وبينما استحوذت المعالجات ووحدات الذكاء الاصطناعي المتخصصة على جانب كبير من الاهتمام الإعلامي، كانت هناك حقيقة أخرى واضحة في أروقة المعرض: لا يمكن لأي نموذج ذكاء اصطناعي أو مركز بيانات حديث أن يعمل بكفاءة دون بنية تخزين قادرة على مواكبة هذا التدفق الهائل من البيانات.
في قلب هذا المشهد برز جناح KIOXIA، الشركة اليابانية التي ارتبط اسمها منذ عقود بابتكار وتطوير تقنيات NAND Flash. لكن ما شاهدناه هذا العام لم يكن مجرد استعراض لأجيال جديدة من أقراص SSD أو بطاقات التخزين المحمولة، بل رؤية متكاملة تمتد من الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة إلى أكبر مراكز البيانات والحوسبة السحابية في العالم.
منذ اللحظة الأولى لدخولنا مركز Taipei Nangang Exhibition Center، كان واضحاً أن KIOXIA جاءت إلى COMPUTEX 2026 برسالة مختلفة. فالشركة لا تنظر إلى أقراص التخزين بوصفها وسائط لحفظ الملفات فقط، بل كعنصر أساسي في مستقبل الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات الضخمة، والحوسبة الطرفية، وحتى التطبيقات الفضائية.
وتأتي هذه الرؤية في توقيت حساس للغاية. فمع ازدياد الطلب العالمي على حلول الذكاء الاصطناعي التوليدي وارتفاع تكاليف ذواكر DRAM وHBM، بدأت الشركات الكبرى تبحث عن بدائل أكثر كفاءة من حيث التكلفة والطاقة. وهنا تراهن KIOXIA على أن الجيل القادم من تقنيات التخزين الوميضي سيكون جزءاً من الحل، وليس مجرد عنصر ثانوي داخل المنظومة.

رحلة تبدأ من المستخدم العادي وتنتهي داخل مراكز البيانات
اعتمدت KIOXIA تصميماً منظماً يعكس فلسفتها الهندسية اليابانية المعروفة. فقد قُسم الجناح إلى عدة مناطق مترابطة تبدأ بحلول المستهلكين، مروراً بالمنصات المحمولة، ثم الحلول المدمجة للمصنعين، وصولاً إلى أقسام مراكز البيانات والتطبيقات المؤسسية.
في الواجهة الأمامية استعرضت الشركة سلسلة Exceria الشهيرة، بالإضافة إلى بطاقات microSD ووحدات التخزين الخارجية الموجهة للمستخدمين واللاعبين وصناع المحتوى.
ومع التقدم داخل الجناح يبدأ التحول التدريجي نحو الحلول الاحترافية، حيث ظهرت عائلات XG وBG المخصصة لمصنعي الحواسب المحمولة، قبل الوصول إلى المنطقة الأكثر إثارة للاهتمام والمخصصة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

هناك لم تعرض الشركة المنتجات خلف واجهات زجاجية فقط، بل قدمت خوادم حية تعمل فعلياً لإظهار قدرات أقراص 8XD و9CM وP9CD وLC9 تحت أحمال تشغيل حقيقية، إلى جانب عروض عملية لحلول التبريد الغاطس التي أصبحت أحد أهم الاتجاهات في صناعة مراكز البيانات الحديثة.
Exceria Pro G2: الجيل الجديد من أقراص PCIe Gen5
كان أحد أبرز المنتجات داخل الجناح هو قرص Exceria Pro G2 الجديد الموجه لفئة اللاعبين وصناع المحتوى ومحطات العمل الاحترافية.
يعتمد القرص على واجهة PCIe 5.0 وبروتوكول NVMe 2.0d مع عامل الشكل M.2 2280، ويستفيد من متحكم Silicon Motion SM2508 المصنع بدقة 6 نانومتر، إلى جانب ذواكر BiCS FLASH TLC من الجيل الثامن والمكونة من 218 طبقة.
تصل سرعات القراءة المتسلسلة إلى 14,900 ميجابايت في الثانية، بينما تصل سرعات الكتابة إلى 13,700 ميجابايت في الثانية، مع أداء عشوائي يبلغ 2.3 مليون IOPS.
ركزت KIOXIA كذلك على جانب الكفاءة الحرارية، حيث قدمت حلولاً جديدة لتوزيع الحرارة عبر ملصقات حرارية محسنة تسمح بالحفاظ على الأداء المرتفع لفترات طويلة دون الحاجة إلى مبردات ضخمة كما هو الحال في بعض حلول الجيل الخامس المنافسة.

Exceria Plus G4: الأداء المرتفع بتكلفة أكثر توازناً
إلى جانب الطراز الرائد، عرضت الشركة قرص Exceria Plus G4 الذي يعتمد على تصميم DRAM-less مع الاستفادة من تقنية Host Memory Buffer.
ويستهدف هذا القرص المستخدمين الراغبين في الانتقال إلى منصة PCIe Gen5 دون دفع تكلفة مرتفعة، حيث يقدم سرعات تصل إلى 10 جيجابايت في الثانية للقراءة و9.6 جيجابايت في الثانية للكتابة، مع أداء عشوائي يصل إلى 1.6 مليون IOPS.
XG10 وBG8: مستقبل الحواسب المحمولة
في قطاع الحواسب المحمولة كشفت الشركة عن سلسلة XG10 الجديدة التي تمثل الجيل التالي من أقراص OEM المخصصة للمصنعين.

توفر السلسلة دعماً كاملاً لواجهة PCIe Gen5 مع تحسينات كبيرة في الكفاءة الحرارية واستهلاك الطاقة مقارنة بالأجيال السابقة، ما يجعلها مناسبة للحواسب المحمولة النحيفة ومحطات العمل المتنقلة وأجهزة الذكاء الاصطناعي الشخصية.
إلى جانبها ظهرت سلسلة BG8 بعامل الشكل M.2 2230 الموجهة للأجهزة الصغيرة جداً مثل أجهزة الألعاب المحمولة والحواسب فائقة النحافة.
وتعتمد السلسلة على تصميم DRAM-less وتقنية HMB لتوفير أداء مرتفع ضمن مساحة محدودة واستهلاك منخفض للطاقة.
مراكز البيانات: عندما تصبح السعة أهم من السرعة
القسم الأكثر أهمية داخل الجناح كان بلا شك قسم الحلول المؤسسية.
استعرضت الشركة قرص CD9P الموجه للبيئات الحرجة ومراكز البيانات عالية الأداء، والذي يوفر سرعات قراءة تصل إلى 14.8 جيجابايت في الثانية مع أداء عشوائي يصل إلى 2.6 مليون IOPS.

لكن النجم الحقيقي كان سلسلة LC9 الجديدة المعتمدة على رقاقات QLC عالية الكثافة.
تصل سعة الوحدة الواحدة إلى 245.76 تيرابايت، وهو رقم يغير طريقة بناء البنية التحتية لمراكز البيانات الحديثة بالكامل.

فبدلاً من توزيع البيانات على أعداد ضخمة من الأقراص والخوادم، أصبح بالإمكان تحقيق سعات هائلة باستخدام عدد أقل من الأنظمة، ما يؤدي إلى تقليل استهلاك الطاقة والمساحة وتكاليف التشغيل.
التبريد الغاطس: رؤية لمستقبل مراكز البيانات
خصصت KIOXIA مساحة كبيرة لعرض تقنيات التبريد الغاطس التي تطورها شركتها التابعة SSSTC.
وتعتمد هذه التقنية على تشغيل الخوادم والأقراص داخل سوائل عازلة للكهرباء قادرة على امتصاص الحرارة بشكل أكثر كفاءة من أنظمة التبريد الهوائي التقليدية.

وشملت العروض أقراص SATA وPCIe معدلة خصيصاً للعمل داخل هذه البيئات، مع حماية إضافية ضد التآكل والرطوبة وظروف التشغيل القاسية.
وتعد هذه الحلول من أكثر الاتجاهات الواعدة في صناعة مراكز البيانات مع تزايد استهلاك الطاقة الناتج عن الذكاء الاصطناعي.
كيف تحاول KIOXIA حل أزمة الذكاء الاصطناعي؟
أحد أهم الرسائل التي أرادت الشركة إيصالها خلال المعرض يتمثل في أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على المزيد من وحدات المعالجة أو المزيد من ذواكر HBM.
بل إن هناك فرصة حقيقية لاستخدام وحدات التخزين الوميضية عالية السعة كامتداد فعال لمنظومة الذاكرة، خصوصاً في تطبيقات قواعد البيانات المتجهة وعمليات الاستدلال الخاصة بالنماذج اللغوية الضخمة.
وتراهن KIOXIA على أن حلولها مثل LC9 وCD9P وتقنيات AiSAQ ستساعد المؤسسات على تقليل الاعتماد على ذواكر DRAM مرتفعة التكلفة، مع المحافظة على مستويات أداء مناسبة لأحمال العمل الحديثة.

من الأرض إلى القمر
من أكثر العروض التي جذبت اهتمام زوار الجناح استعراض مشاركة الشركة في مشروع Spaceborne Computer 4 بالتعاون مع HPE.
ويهدف المشروع إلى تشغيل تطبيقات ذكاء اصطناعي مباشرة على سطح القمر باستخدام حلول تخزين مدمجة من فئة المستهلكين تعتمد على سلسلة BG.
الفكرة الأساسية هي تنفيذ عمليات الاستدلال محلياً دون الحاجة إلى إرسال البيانات إلى الأرض وانتظار الرد، وهو ما يفتح الباب أمام جيل جديد من التطبيقات الفضائية المستقلة.

قراءة في استراتيجية KIOXIA
من يتابع الشركة منذ أيام Toshiba Memory يدرك حجم التحول الذي شهدته خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن كانت تُعرف أساساً كمورد رئيسي لرقاقات NAND Flash، أصبحت اليوم تطرح نفسها كأحد اللاعبين الرئيسيين في رسم مستقبل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والتخزين المؤسسي.
الميزة الأهم التي تمتلكها KIOXIA هي سيطرتها الكاملة تقريباً على سلسلة التطوير والإنتاج، بدءاً من تصنيع رقاقات BiCS FLASH مروراً بالمتحكمات والبرمجيات الثابتة وحتى الحلول المؤسسية المتكاملة.
هذا التكامل يمنح الشركة قدرة أكبر على الابتكار مقارنة بالعديد من المنافسين الذين يعتمدون على مكونات من أطراف متعددة.
الخاتمة
في نهاية جولتنا المطولة داخل جناح KIOXIA خلال معرض COMPUTEX 2026، يصعب النظر إلى ما قدمته الشركة هذا العام باعتباره مجرد مجموعة من المنتجات الجديدة أو تحديثاً دورياً لمحفظة أقراص التخزين الخاصة بها. ما شاهدناه على أرض الواقع كان أقرب إلى عرض متكامل لرؤية استراتيجية تحاول من خلالها الشركة إعادة تعريف الدور الذي تلعبه وحدات التخزين داخل عالم الحوسبة الحديثة.
فعلى مدار السنوات الماضية كانت المنافسة في قطاع التخزين تتركز غالباً حول أرقام السرعة وسعات التخزين وعوامل الشكل المختلفة، لكن الرسالة التي خرجت بها KIOXIA من تايبيه هذا العام كانت مختلفة تماماً. الشركة ترى أن مستقبل الصناعة لن يُبنى فقط على معالجات أسرع أو بطاقات رسومية أقوى، بل على قدرة البنية التحتية بأكملها على التعامل مع الانفجار الهائل في أحجام البيانات الذي فرضه الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتطبيقات التعلم الآلي.

ومن خلال ما استعرضته داخل الجناح، يتضح أن KIOXIA تعمل على جميع المستويات في الوقت نفسه. فمن جهة، تواصل تطوير حلول موجهة للمستخدمين واللاعبين وصناع المحتوى عبر عائلة Exceria الجديدة التي تستفيد من إمكانيات PCIe Gen5 بالكامل. ومن جهة أخرى، تدفع بقوة نحو قطاع الحواسب المحمولة والأجهزة المدمجة عبر سلاسل XG10 وBG8 التي أصبحت تمثل العمود الفقري للعديد من المنصات الحديثة. أما على مستوى المؤسسات، فتبدو الشركة أكثر طموحاً من أي وقت مضى مع أقراص P9CD وLC9 والحلول المصممة خصيصاً لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
الأمر اللافت للنظر أيضاً هو أن الشركة لا تركز فقط على زيادة الأداء الخام، بل على معالجة المشكلات الحقيقية التي تواجه الصناعة حالياً. فارتفاع استهلاك الطاقة، وتكاليف التبريد، وتحديات التوسع في مراكز البيانات، وارتفاع أسعار ذواكر DRAM وHBM، كلها ملفات حاولت KIOXIA تقديم إجابات عملية لها عبر تقنيات التخزين عالية الكثافة وحلول التبريد الغاطس والتوجه نحو استخدام وحدات التخزين كجزء أساسي من منظومة الذكاء الاصطناعي وليس مجرد وسيط لحفظ البيانات.
وربما كان أكثر ما أثار اهتمامنا خلال الزيارة هو رؤية الشركة لمستقبل الحوسبة خارج حدود الأرض نفسها. فحين نرى أقراصاً مدمجة من فئة المستهلكين يتم الاعتماد عليها لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مشروع Spaceborne Computer 4 الموجه للمهام القمرية، فإن ذلك يعكس مستوى الثقة الذي وصلت إليه تقنيات التخزين الحديثة، كما يعكس حجم التحول الذي شهدته هذه الصناعة خلال العقد الأخير.
كما أن متابعة مسيرة KIOXIA منذ انفصالها عن Toshiba Memory تكشف بوضوح أن الشركة لم تعد تكتفي بدور المورد التقليدي لرقاقات NAND Flash، بل أصبحت تسعى لقيادة قطاعات كاملة داخل سوق التخزين العالمي. فامتلاكها لتقنيات BiCS FLASH، وتحكمها المباشر في تطوير المتحكمات والبرمجيات الثابتة والحلول المؤسسية، يمنحها درجة من التكامل الرأسي لا تتوفر بسهولة لدى كثير من المنافسين.
وبالنظر إلى المنافسة الشرسة مع شركات مثل Samsung وMicron وSK hynix وSolidigm، يبدو أن KIOXIA اختارت طريقاً مختلفاً عن سباق الذواكر عالية النطاق HBM الذي يهيمن على المشهد حالياً. فبدلاً من مطاردة نفس الفرص التي تتنافس عليها بقية الشركات، تركز KIOXIA على تعزيز مكانتها في قطاع NAND Flash وتوسيع دور التخزين داخل منظومات الذكاء الاصطناعي، وهي استراتيجية قد تمنحها أفضلية كبيرة خلال السنوات القادمة إذا استمرت معدلات نمو البيانات العالمية بالمستويات الحالية.

في النهاية، يمكن القول إن جناح KIOXIA كان واحداً من أكثر الأجنحة التي قدمت رؤية متماسكة ومترابطة خلال COMPUTEX 2026. فبدلاً من عرض منتجات منفصلة، شاهدنا منظومة متكاملة تبدأ من هاتف ذكي في جيب المستخدم، مروراً بالحواسب المحمولة ومنصات الألعاب ومحطات العمل الاحترافية، وصولاً إلى الخوادم العملاقة ومراكز البيانات وحتى الحوسبة الفضائية.
لقد أكدت KIOXIA هذا العام أن التخزين لم يعد مجرد عنصر داعم داخل الحاسب، بل أصبح أحد أهم المحركات الرئيسية للتحول الرقمي العالمي. ومع استمرار توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتزايد الحاجة إلى معالجة كميات غير مسبوقة من البيانات، فإن الشركات القادرة على تقديم حلول تخزين أكثر كثافة وأكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة ستكون في قلب المرحلة القادمة من تطور الصناعة التقنية.
وبناءً على ما شاهدناه في تايبيه، تبدو KIOXIA مستعدة جيداً لهذه المرحلة، بل وربما تكون واحدة من الشركات التي ستساهم في رسم ملامحها خلال السنوات المقبلة. أما نحن في ArabOverclockers، فسنواصل متابعة هذه التقنيات عن قرب واختبارها عملياً بمجرد وصول المنتجات النهائية إلى مختبراتنا، لمعرفة ما إذا كانت الوعود التي شاهدناها على أرض المعرض ستنعكس فعلاً على الأداء والتجربة الواقعية للمستخدمين والمؤسسات على حد سواء.









